السيد محمد باقر الخوانساري
94
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات
في سرّى . ثمّ قال لي خالى يوما : يا سهل من كان اللّه معه وهو ناظر إليه وشاهده أيعصيه ؟ ايّاك والمعصية ، فكنت أخلو فبعثوني إلى الكتاب ، فقلت : أنّى لأخشى أن يتفرّق على همّى ، ولكن شارطوا المعلّم انّى أذهب اليه ساعة ، فاتعلّم ، ثمّ ارجع - فمضيت إلى الكتّاب وحفظت القرآن وانا ابن ستّ أو سبع ، وكنت أصوم الدّهر وقوتى خبز الشّعير اثنتي عشر سنة فوقعت لي مسئلة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، فسألت أهلي ان يبعثونى إلى البصرة أسال عنها ، فجئت البصرة ، وسألت علمائها ، فلم يشف عنّى أحد شيئا ، فخرجت إلى عبّادان إلى رجل يعرف بابى حبيب حمزة بن عبد اللّه العبّادانى ، فسالت عنها فأجابني وأقمت عنده مدّة انتفع بكلامه وأتأدّب بآدابه ، ثمّ رجعت إلى تستر يعنى به مدينة شوشتر الّتى هي بلدة من كور الأهواز من بلاد خوزستان قديمة البناء جدّا - فجعلت قوتى اقتصارا على أن يشترى لي بدرهم من الشّعير الفرق ، فيطحن ويخبز لي ، فأفطر عند السّحر كلّ ليلة ، على أوقية واحدة بحتا بغير ملح ، ولا ادام ، فكان يكفيني ذلك الدّرهم سنة ، ثمّ عزمت على أن أطوى ثلاث ليال ، ثمّ أفطر ليلة ، ثم خمسا ، ثمّ خرجت اسيح في الأرض سنين ، ثم رجعت إلى تستر ، فكنت أقوم اللّيل كلّه ، « 2 » انتهى ونقل أيضا في باب الجوع وترك الشهوة من رسالته انّ سهلا المذكور كان لا يأكل الطّعام إلّا في كلّ خمسة عشر يوما ؛ فإذا دخل شهر رمضان كان لا يأكل حتّى يرى الهلال ؛ وكان يفطر كلّ ليلة على الماء القراح ، « 3 » ونقل أيضاً بالاسناد انّ من جملة كلمات سهل المذكور : كلّ فعل يفعله العبد بغير اقتداء طاعة كان أو معصية فهو عيش النّفس ، وكلّ فعل يفعله بالاقتداء فهو عذاب النّفس ، هذا . وقد ظهر لك من جملة ما أوردناه من كلام الرّجل أنّه في عالي درجة من درجات تزكية النّفس الّتى نهى عنها اللّه تبارك وتعالى في محكم كتابه المجيد ؛ وهي مذمومة في الغاية عند أرباب الطّريقة
--> ( 2 ) الرسالة القشيريه 14 - 15 ( 3 ) نفس المصدر 66